عمر فروخ
221
تاريخ الأدب العربي
غير أنّنا إذا حسبنا أنّه مدح إبراهيم بن حجّاج الثائر في إشبيلية ( ت فجأة 288 ) ثمّ هجاه ، كما هجا الأمير عبد اللّه بن محمّد ( ت 300 ) ، وإذا علمنا أنّه كان صديقا لابن عبد ربّه ( ت 328 ) ثمّ فسد ما بينهما فهجاه ، وأنّه كان صديقا لأبي عبد اللّه محمّد ابن إسماعيل الحكيم ( ت 331 ) لا نستبعد أن يكون القلفاط قد عاش ردحا في القرن الهجريّ الرابع . ثمّ إنّ عبد الرحمن الناصر قد عهد إليه وإلى نفر آخرين بنسخ شعر أبي تمّام وترتيبه ، ولا يمكن أن يكون عبد الرحمن الناصر قد تفرّغ لذلك قبل أن هدأت أحوال الأندلس وتسمّى هو بالخلافة ( 316 ه ) . فلعلّ هذا كلّه يميل بنا إلى الاعتقاد بأن القلفاط ظلّ على قيد الحياة إلى نحو 325 أو ما بعدها أيضا . 2 - « القلفاط » لقب محمّد بن يحيى الأديب ( تاج العروس 5 : 212 ) من نحاة قرطبة المشهورين ومن اللّغويّين المقتدرين . ثمّ إنّه كان أديبا مقتدرا في الشعر مجوّدا مطبوعا يقصّد ( ينظم القصيدة ) فيحسن ويطيل . لكن لم يصل إلينا من شعره إلّا قليل . وكانت فنون شعره المديح والهجاء والغزل الرقيق السهل ووصف الطبيعة . لكنّ توثّبه على الناس ( بالهجاء ) جعله قليل الحظوة عندهم . وشهرته بالهجاء خاصّة . 3 - مختارات من شعره - قال محمّد بن يحيى القلفاط يصف الرياض : مزن تغنّيه الصّبا ، فإذا همى * لبّت حياه روضة غنّاء « 1 » : فالأرض من ذاك الحيا موشيّة ، * والروض من تلك السماء سماء « 2 » .
--> ( 1 ) المزن : المطر . الصبا : ريح الشرق . تغنّيه الصبا ( بصوت الرعد ) : أي يجعل المطر كثيرا ( الرعد مرور شرارة كهربائية في الغيم تحيل في العادة بخار الماء الذي هو في الغيم ماء ) . والملاحظ أن المطر يغزر بعد الرعد مباشرة . همى : سقط بكثرة . الحيا : المطر . الروضة الغنّاء : الكثيرة الأزهار ( أو الكثيرة الأطيار التي تألف الرياض حينما يكون ماؤها كثيرا وأزهارها كثيرة ) . لبّت ( استجابت ) . حياه ( ماء مطره ) روضة غنّاء ( أنبتت نباتا ناضرا كثيرا ذا أزهار مختلفة ) . ( 2 ) موشيّة : فيها وشي ( زركشة وزخرف من كثرة أنواع النبات والأزهار ) . السماء الأولى : المطر . السماء الثانية ( استعارة ) : مثل السماء ( يشبّه الأزهار التي في تلك الروضة بالنجوم التي تظهر في السماء النجوم - جمع نجم : من النبات ما لا ساق له ، والأجرام السماوية ) .